فخر الدين الرازي
19
تفسير الرازي
يقصد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وإيذاءه وثالثها : أن فرعون أحسن إلى موسى أولاً ، وقال آخراً : * ( آمنت ) * . وأما أبو جهل فكان يحسد النبي في صباه ، وقال في آخر رمقه : بلغوا عني محمداً أني أموت ولا أحد أبغض إلي منه ورابعها : أنهما وإن كانا رسولين لكن الحبيب في مقابلة الكليم كاليد في مقابلة العين ، والعاقل يصون عينه فوق ما يصون يده ، بل يصون عينه باليد ، فلهذا السبب كانت المبالغة ههنا أكثر . * ( أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى ) * . أما قوله تعالى : * ( أن رآه استغنى ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال الأخفش : لأن رآه فخذف اللام ، كما يقال : أنكم لتطغون أن رأيتم غناكم . المسألة الثانية : قال الفراء إنما قال : * ( أن رآه ) * ولم يقل : رأى نفسه كما يقال : قتل نفسه لأن رأى من الأفعال التي تستدعي اسماً وخبراً نحو الظن والحسبان ، والعرب تطرح النفس من هذا الجنس فنقول : رأيتني وظننتني وحسبتني فقوله : * ( أن رآه استغنى ) * من هذا الباب . المسألة الثالثة : في قوله : * ( استغنى ) * وجهان : أحدهما : استغنى بماله عن ربه ، والمراد من الآية ليس هو الأول ، لأن الإنسان قد ينال الثروة فلا يزيد إلا تواضعاً كسليمان عليه السلام ، فإنه كان يجالس المساكين ويقول : " مسكين جالس مسكيناً " وعبد الرحمن بن عوف ما طغى مع كثرة أمواله ، بل العاقل يعلم أنه عند الغنى يكون أكثر حاجة إلى الله تعالى منه حال فقره ، لأنه في حال فقره لا يتمنى إلا سلامة نفسه ، وأما حال الغنى فإنه يتمنى سلامة نفسه وماله ومماليكه ، وفي الآية وجه ثالث : وهو أن سين * ( استغنى ) * سين الطالب والمعنى أن الإنسان رأى أن نفسه إنما نالت الغنى لأنها طلبته وبذلت الجهد في الطلب فنالت الثروة والغنى بسبب ذلك الجهد ، لا أنه نالها بإعطاء الله وتوفيقه ، وهذا جهل وحمق فكم من باذل وسعه في الحرص والطلب وهو يموت جوعاً ، ثم ترى أكثر الأغنياء في الآخرة يصيرون مدبرين خائفين ، يريهم الله أن ذلك الغنى ما كان بفعلهم وقوتهم . المسألة الرابعة : أول السورة يدل على مدح العلم وآخرها على مذمة المال ، وكفى بذلك مرغباً في الدين والعلم ومنفراً عن الدنيا والمال . * ( إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ) * . ثم قال تعالى : * ( إن إلى ربك الرجعي ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان . المسألة الثانية : * ( الرجعي ) * المرجع والرجوع وهي بأجمعها مصادر ، يقال : رجع إليه رجوعاً